العلامة المجلسي
329
بحار الأنوار
الشؤون المختلفة التي جعلها الله في الانسان بتبعية ما جعل فيه من العناصر المختلفة والصفات المتضادة ، والمواد المتبائنة . " من ماء مهين " نطفة قذرة ذليلة ، وقال علي بن إبراهيم : منتن " في قرار مكين " قال : في الرحم ( 1 ) . " إلى قدر معلوم " أي إلى قدر ( 2 ) معلوم من الوقت قدره الله للولادة " فقدرنا " على ذلك أو فقدرناه ، ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد " فنعم القادرون " نحن " فويل يومئذ للمكذبين " بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة . " وخلقناكم أزواجا " أي ذكرا وأنثى " قتل الانسان ما أكفره " قيل : دعاء عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران " من أي شئ خلقه " بيان لما أنعم عليه خصوصا من مبدأ حدوثه واستفهام للتحقير ، ولذلك أجاب عنه بقوله " من نطفة خلقه فقدره " أي فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والاشكال ، أو فقدر أطوارا إلى أن تم خلقه " ثم السبيل يسره " أي ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم ، وألهمه أن ينتكس ، أو ذلل ( 3 ) له سبيل الخير والشر ، وفيه - على المعنى الأخير - إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ، ولذا عقبه بقوله " ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره " عد الإماتة والاقبار في النعم لان الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة ، والامر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع . " ما غرك بربك الكريم " أي أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه ؟ قيل : ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار والاشعار بما به يغره الشيطان ، فإنه يقول له : افعل ما شئت فإن ربك كريم لا يعذب أحدا ، وقيل : إنما قال سبحانه " الكريم " دون سائر أسمائه وصفاته لأنه كأنه لقنه الجواب حتى يقول : غرني كرم الكريم . وفي مجمع البيان : روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا هذه الآية قال : غره جهله ( 4 ) .
--> ( 1 ) تفسير القمي : 708 . ( 2 ) مقدار ( خ ) . ( 3 ) دلل ( خ ) . ( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 449 .